يزيد بن محمد الأزدي
4
تاريخ الموصل
وقد يدهش القارئ إذا عرف أن ثلث تراث الفكر العربي في التاريخ ، وما من شيء إلا أرخ له العرب تأريخا مطولا أو مختصرا : الرجال ، والأديان ، والعلوم ، والآداب ، والمدن ، والأمم ، والشعوب . وقد نبه ابن خلدون في تعريفه الممتاز لعلم التاريخ ، إلى أنه ليس قصصا تروى ولا حكايات تتلى ؛ ليتسلى بها الناس ، ويزجون أوقات فراغهم ؛ ولكنه نظر وتحقيق ، وبحث عن أسباب الحوادث وتحليل لنتائجها ؛ من أجل معرفة أعمق بتاريخ التجربة الإنسانية ، يقول ابن خلدون بعد تمهيد بلاغي : « أما بعد ، فإن فن التاريخ من الفنون التي تتداولها الأمم والأجيال ، وتشد إليه الركائب والرحال ، وتسمو إلى معرفته السوقة والأغفال ، وتتنافس فيه الملوك والأقيال ، ويتساوى في فهمه العلماء والجهال ؛ إذ هو في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأول ، تنمو فيها الأقوال ، وتضرب فيها الأمثال ، وتطرف بها الأندية إذا غصها الاحتفال ، وتؤدي إلينا شأن الخليقة كيف تقلبت بها الأحوال ، واتسع للدول فيها النطاق والمجال ، وعمروا الأرض حتى نادى بهم الارتحال ، وحان لهم الزوال ، وفي باطنه نظر وتحقيق ، وتحليل للكائنات ومبادئها دقيق ، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق ، فهو لهذا أصيل في الحكمة عريق » . التاريخ لغة : قال في « المصباح » : أرّخت الكتاب - بالتثقيل في الأشهر ، والتخفيف لغة حكاها ابن القطاع - : إذا جعلت له تاريخا ، وهو معرب ، وقيل : عربى وهو بيان انتهاء وقته ، ويقال : ورخت ، على البدل ، والتوريخ قليل الاستعمال . اختلفوا في لفظ التاريخ هل هو عربى أو معرب : قال صاحب « نور المقاييس » ، وهو مختصر كتاب « مقاييس اللغة » لابن فارس : تأريخ الكتاب ، ليس عربيا ولا سمع من فصيح . وقال ابن فارس في « المجمل » : التواريخ والتاريخ فما تحسبها عربية ، وقال غيره : التاريخ لفظ معرب ، أصله ماه روز ، وسبب تعريبه أن أبا موسى كتب إلى عمر رضى الله تعالى عنهما - إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ فجمع عمر الصحابة واستشارهم في ذلك فقال الهرمزان : إن للعجم حسابا يسمونه : ماه روز ، ينسبونه إلى ما غلب عليهم من الأكاسرة ، فعربوه وقالوا : مؤرخ ، وجعلوا مصدره التأريخ ، واستعملوه في وجوه التصريف ، ثم بين لهم الهرمزان كيفية استعماله ، فقال عمر - رضى اللّه تعالى عنه - : ضعوا تاريخا تتعاملون عليه .